محمد جواد مغنية
15
في ظلال نهج البلاغة
وقال العقاد في كتابه » عبقرية الإمام « : » وقد بلغ من حساب الإمام للولاة أنه كان يحاسبهم على حضور الولائم التي لا يجمل بهم حضورها ، فكتب إلى عثمان بن حنيف الأنصاري : « فقد بلغني إلخ . . . واستكثر على شريح قاضيه أن يبني دارا بثمانين دينارا ، وهو يرزق خمسمائة درهم ، وحاسب على أقل من هذا من هو أقل من شريح أمانة في القضاء » . وقال عبد الكريم الخطيب في كتابه « علي بن أبي طالب » : « سمع الإمام ان عامله على البصرة عثمان بن حنيف قد دعي إلى وليمة أعدها له أبناء البصرة ، فثارت لذلك ثائرته ، وأعلنها حربا على ابن حنيف حتى أنه ليكاد يمسك به من حلقومه فيقيئه ما أكل » . ( فانظر إلى ما تقضمه إلخ ) . . . المراد بالقضم والمقضم هنا الأكل والمأكول ، وأطلق الإمام عليه هذا الوصف للتنبيه إلى أن الغرض من القوت مجرد حفظ الحياة ، والمعنى حتى القوت الضروري لا يحل لك إلا إذا جزمت وأيقنت بأنه حلال زلال ، ويحرم إذا كان فيه أدنى شبهة للحرام . . . ومن هنا قال الفقهاء : الأصل في الأموال التحريم حتى يثبت العكس ، وانها لا تحل أبدا إلا من حيث أحلها اللَّه . ( ألا وان لكل مأموم إماما إلخ ) . . . أنت يا ابن حنيف مرؤس ومأموم ، وأنا رئيسك وإمامك ، وعليك أن تقتدي بي وتهتدي بهديي ، وأنا كما تراني استر جسمي بثوبين خلقين ، وقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها ( انظر شرح الخطبة 158 فقرة : مدرعة علي تنص عليه ) أما قوتي فقرصان من الشعير بقشره . . . وقال بعض أصحاب الإمام لخادمته : ألا تتقون اللَّه في هذا الشيخ ألا تنخلون هذا الطعام من النخالة قالت : أمر أن لا ننخل له طعاما . ( ألا وانكم لا تقدرون على ذلك ) لأن لهذا النوع من الزهد أهلا يأخذون من الدنيا لبطن الأرض لا لبطونهم ، وللآخرة لا للأولى ( ولكن أعينوني إلخ ) . بالكف عما حرّم اللَّه ، وبكبح الشهوات عما تطمح اليه . . . إن لأجسامكم حقا عليكم ، ما في ذلك ريب ، فأدوه على وجهه ، ولا تتجاوزوا عن حده . ( فو اللَّه ما كنزت من دنياكم إلخ ) . . . إن لي أهلا وأولادا ، واني على جمع المال لقادر ، وهذا هو بين يديّ أوزعه على المحاويج ، ولا أدخر منه لنفسي وأهلي قليلا ولا كثيرا .